الشيخ محمد هادي معرفة

136

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي في ذيل الآية « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » : « 1 » فيه تنبيه على بطلان قول الجهّال من أصحاب الحديث : أنّه ينبغي أن يروى الحديث على ما جاء ، وإن كان مختلًاّ في المعنى . « 2 » نعم ، بهذا الأسلوب المبتذل قام أهل الحشو بشحن حقائبهم من شواذّ الأخبار وغرائب الآثار ، وبذلك مهّدوا السبل لرواج الإسرائيليات ونشر الأقاصيص الأسطورية ، وازدحمت من وفرتها كتب الحديث والتفسير ، وفي التاريخ المدوّن أيضا منها الشيء الكثير . وهكذا نجد في بضائع أهل الحشو المزجاة حشدا من أخبار التحريف ، سجّلتها المجاميع الحديثية الكبرى ، أمثال الصحاح الست وغيرها من المدوّنات المعروفة عند أهل السنّة . وقد اغترّ بها جماعات ، كانوا حسبوا من تلك الروايات حقائق مرهونة ، فلابدّ من تأويلها أو علاج آخر ، ممّا ابتدعه أهل الأصول باسم « نسخ التلاوة » ، فغيّروا من عنوان « التحريف » إلى عنوان آخر تمويها بواقع الأمر . وقد بحثنا فيما سلف أنّ تغيير العبارة لا يحلّ مشكلة الواقع وإنّما يزيد في صلب الإشكال ، لا سيّما وبعض تلك الروايات تنصّ على أنّ الآية ( المزعومة ) كانت ممّا تتلى حتّى ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله . « 3 » نعم ، كانت المشكلة منحلّة عند أصحابنا الإماميين ، حيث رفضهم الباتّ لتلكم الأراجيف السخيفة ، فلا الأسانيد صحيحة ، ولا المتون متوافقة مع أصول المذهب : « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » . « 4 » وإليك نماذج من أحاديث التحريف نقلتها أهل الحشو وسجّلتها أرباب كتب الحديث ، نذكرها تباعا ونعقّب كلّ واحد منها بما نراه من تعليق :

--> ( 1 ) - محمد 24 : 47 . ( 2 ) - التبيان ، ج 9 ، ص 301 . وراجع وصفنا للحشوية في الجزء الثالث من التمهيد ، « الحشوية » . ( 3 ) - راجع : المحلّى ، ج 10 ، ص 14 و 16 . ( 4 ) - فصّلت 42 : 41 .